السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

330

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

مطلب في معنى الحساب وعلامة رضاء اللّه على خلقه وموالاة الكفرة وتهديد من يواليهم أو يحبهم : واعلم أن كلمة الحساب تأتي على ثلاثة أوجه بمعنى التعب والسبب والتغير والبسط كما هي الحال هنا ، وبمعنى العدد ، كما في قوله تعالى ( إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ ) الآية 14 من سورة الزمر في ج 2 ، وبمعنى المطالبة كما في قوله تعالى ( فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ ) الآية 39 من سورة ص في ج 1 ، فكل ما جاء في القرآن العظيم من هذه اللفظة لا يعدو احدى هذه المعاني الثلاثة . وما جاء في بعض الكتب المنزلة : أنا اللّه ملك الملوك ومالك الملك قلوب الملوك ونواصيهم بيدي ، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة ، وإن هم عصوني جعلتهم عليهم عقوبة ، فلا تشتغلوا بسبب الملوك ولكن توبوا لي أعطفهم عليكم . وجاء في الخير أن موسى عليه السلام قال فما علامة سخطك من رضاك يا رب ؟ فأوحى إليه إذا استعملت على الناس خيارهم فهو علامة رضاي ، وإذا استعملت شرارهم فهو علامة سخطي . وهذا على حد قوله كما تكونوا يولى عليكم . وقوله أعمالكم عما لكم . قالوا للحجاج الثقفي لم لا تعدل وقد شاهدت زمن عمر ؟ قال تبذروا لي أنعمر لكم . أي كونوا كأبي ذرّ من أصحاب عمر في الزهد والتقوى أكن لكم كعمر في العدل والإنصاف . وهذا لا يخلصه من اللّه فيما جار في حكمه إذ كان عليه أن يعدل في كل حال ، لأن الحاكم مكلف بالعدل أحسن الناس أم أساءوا . وتفيد هذه الآيات أن العزة والكرامة من منح اللّه تعالى ينشرها على من يشاء من عباده وأن الخير كله منه ، وان تقسيمه على الخلق تابع لسنن مطردة عنده تعالى يجعلها في صالح خلقه ، كما أن تفاوت ساعات الليل والنهار وتداخلها بحسب تطور الفصول هو في مصلحتهم أيضا . والحكم الشرعي وجوب الاعتقاد بما ذكر من المشيئة لا على الأسباب ، لأن القول بترتب الأسباب على المسببات يستلزم الدور والتسلسل ويتعارض مع كمال القدرة ، وان ما قضت به حكمة اللّه من السنن والأسباب الظاهرة عبارة عن وسائل ومظاهر خارجية لا تأثير لها في خلق الحوادث وإيجاد المسببات ، لأن اللّه تعالى له أن يغير تلك السنن ويعطل هاتيك الأسباب التي نراها